حين لا تكون المشكلة في التواصل بل في الحوكمة
عندما يبدو الخلل مشكلة تواصل
في كثير من المؤسسات، عندما يتأخر العمل أو تتكرر الأخطاء أو تزداد الاجتماعات، يكون أول تفسير هو أن هناك مشكلة في التواصل.
وقد يكون هذا التفسير صحيحًا أحيانًا. لكن ليس دائمًا.
يمكن أن يتواصل الفريق باستمرار، وأن تتوفر الاجتماعات والبريد الإلكتروني ومنصات العمل وقنوات المحادثة، ومع ذلك تبقى المشكلات نفسها تتكرر.
شخص يعتقد أن القرار عند مديره، والمدير ينتظر موافقة جهة أخرى. فريق يبدأ في التنفيذ، ثم يكتشف أن فريقًا ثانيًا كان يعمل على الموضوع نفسه. اجتماع ينتهي باتفاق عام، لكن دون تحديد واضح لمن سيتخذ القرار أو من سيتابع التنفيذ.
في مثل هذه الحالات، قد لا يكون السؤال الصحيح: كيف نحسن التواصل؟
بل ربما يكون السؤال الأهم: هل الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات وآلية اتخاذ القرار واضحة أصلًا؟
علامات تشير إلى أن المشكلة قد تكون في الحوكمة
هناك بعض المؤشرات التي تساعد على التمييز بين ضعف التواصل وبين مشكلة أعمق في توزيع المسؤوليات والقرارات.
- الموضوع نفسه ينتقل بين عدة أشخاص دون وجود مالك واضح له.
- أكثر من شخص يعتقد أنه صاحب القرار النهائي.
- الجميع يشارك في النقاش، لكن لا أحد يعرف من يملك صلاحية الحسم.
- الموظف مسؤول عن النتيجة، لكنه لا يمتلك الصلاحية اللازمة لتحقيقها.
- المهام تتكرر بين إدارات أو فرق مختلفة.
- الاجتماعات تنتهي بمناقشات جيدة، لكن دون مسؤول محدد أو خطوة تالية واضحة.
- المشكلات البسيطة تُرفع إلى مستويات إدارية أعلى لأن حدود الصلاحيات غير واضحة.
- القرارات تتأخر لأن كل طرف ينتظر موافقة أو توجيهًا من طرف آخر.
عندما تظهر هذه المؤشرات بصورة متكررة، فزيادة عدد الرسائل أو الاجتماعات قد لا تعالج أصل المشكلة.
لماذا لا يكفي المزيد من التواصل؟
التواصل الجيد ضروري لأي مؤسسة، لكنه لا يستطيع وحده تعويض غياب الهيكل الواضح للمسؤولية والقرار.
إذا لم نعرف من يملك القرار، فإن إضافة اجتماع جديد قد تزيد عدد الأشخاص المشاركين دون أن توضح من سيحسم الموضوع.
وإذا لم تكن المسؤولية محددة، فإن إرسال مزيد من رسائل البريد الإلكتروني قد يجعل الجميع على علم بالمشكلة، لكنه لا يحدد من يجب أن يتحرك.
وإذا كانت الصلاحيات غير متناسبة مع المسؤوليات، فلن يحل الأمر تحسين صياغة الرسائل أو زيادة سرعة الاستجابة.
هنا يصبح الفرق مهمًا بين:
- تدفق المعلومات: هل تصل المعلومة إلى الشخص المناسب؟
- توزيع المسؤوليات: هل نعرف من يجب أن يقوم بالعمل؟
- صلاحية القرار: هل نعرف من يملك حق الحسم؟
- المساءلة: هل يوجد شخص واضح يتحمل مسؤولية النتيجة؟
الأولى تتعلق بالتواصل، أما الثلاثة الأخرى فهي أقرب إلى الحوكمة والتنظيم.
أسئلة تشخيصية قبل إضافة اجتماع أو قناة تواصل جديدة
قبل أن تفترض المؤسسة أن الحل هو زيادة التواصل، يمكنها طرح مجموعة بسيطة من الأسئلة:
- من يملك هذا الموضوع فعليًا؟
- من يملك صلاحية اتخاذ القرار النهائي؟
- من ينفذ بعد اتخاذ القرار؟
- من يجب أن تتم استشارته قبل القرار؟
- من يحتاج فقط إلى معرفة النتيجة؟
- متى يجب تصعيد الموضوع إلى مستوى إداري أعلى؟
- هل المسؤولية الممنوحة لكل شخص متناسبة مع الصلاحيات التي يمتلكها؟
- هل توجد نقطتان أو أكثر داخل المؤسسة تؤديان الدور نفسه دون حاجة؟
إذا لم تكن الإجابات واضحة، فالمشكلة قد لا تكون نقصًا في التواصل، بل نقصًا في تصميم المسؤوليات وآليات القرار.
من التواصل إلى وضوح المسؤوليات
تحسين الحوكمة لا يعني بالضرورة إضافة طبقات جديدة من الإجراءات أو زيادة التعقيد الإداري.
أحيانًا يكون المطلوب أبسط من ذلك بكثير:
- تحديد مالك واضح لكل موضوع رئيسي.
- الفصل بين من ينفذ ومن يقرر.
- توضيح حدود الصلاحية.
- تحديد الحالات التي تحتاج إلى تصعيد.
- معرفة من يجب استشارته ومن يجب فقط إبلاغه.
- ربط المسؤولية بالقدرة الفعلية على اتخاذ الإجراء.
عندما تصبح هذه العناصر واضحة، يتحسن التواصل تلقائيًا لأن الأشخاص يعرفون مع من يتحدثون، ومتى، ولماذا، وما القرار المطلوب.
لذلك فالوضوح التنظيمي ليس بديلًا عن التواصل الجيد، بل هو أحد الشروط التي تجعل التواصل أكثر فاعلية.
أين تدخل مصفوفة RACI؟
عندما تحتاج المؤسسة إلى تحويل هذا الوضوح إلى صورة عملية، يمكن استخدام أدوات مثل مصفوفة RACI.
لكن القيمة الحقيقية للأداة ليست في إنشاء جدول جميل أو إضافة أحرف بجانب أسماء الأشخاص.
قيمتها في أنها تجبر الفريق على مناقشة الأسئلة التي قد يتم تجنبها عادة:
- من يعمل فعليًا؟
- من يتحمل المسؤولية النهائية؟
- من يجب أن نسمع رأيه قبل القرار؟
- ومن يكفي أن يعرف ما تم؟
وقد تناولنا شرح مصفوفة RACI ودورها في الوضوح التنظيمي بصورة أوسع في مقال مستقل:
ليس دائمًا عبء العمل ما يُرهق الموظفين… أحيانًا يكون نقص الوضوح
المهم هنا ألا تتحول RACI نفسها إلى إجراء شكلي، بل أن تستخدم عند الحاجة لتوضيح العلاقة بين العمل والقرار والمسؤولية.
الخلاصة: لا تعالج مشكلة الحوكمة بمزيد من الرسائل
بعض المشكلات التنظيمية تظهر في صورة اجتماعات كثيرة، أو بطء في الاستجابة، أو اختلاف في التعليمات، أو سوء تنسيق بين الفرق.
لذلك يسهل تصنيفها مباشرة باعتبارها مشكلات تواصل.
لكن قبل إضافة قناة جديدة أو اجتماع جديد أو تقرير جديد، من المفيد النظر إلى مستوى أعمق:
هل يعرف الجميع بوضوح من يملك الموضوع، ومن يقرر، ومن ينفذ، ومن تتم استشارته، وأين تبدأ وتنتهي المسؤولية؟
إذا لم تكن هذه الإجابات واضحة، فقد تكون الأولوية ليست تحسين كمية التواصل، بل تحسين الحوكمة والوضوح التنظيمي.
وفي كثير من الحالات، عندما تصبح المسؤوليات والقرارات واضحة، تحتاج المؤسسة إلى تواصل أقل، لكنه يصبح أكثر دقة وفاعلية.
سؤال للتأمل
عندما تتكرر مشكلة داخل فريقك، هل تحتاج فعلًا إلى مزيد من التواصل، أم تحتاج أولًا إلى توضيح من يملك المسؤولية ومن يملك القرار؟